يالله عز دولتنا... حين يصبح الدعاء للوطن هويةً وطنية
يالله عز دولتنا... حين يصبح الدعاء للوطن هويةً وطنية
د. خالد بن عبدالله آل هزاع الشمراني
لماذا يبدأ
السعودي حديثه عن وطنه بالدعاء؟
سؤال يبدو بسيطًا،
لكنه يكشف معنى عميقًا في تكوين الهوية الوطنية السعودية.
ففي كثير من دول
العالم، يبدأ الحديث عن الوطن بالفخر أو بالتاريخ أو بالحقوق، أما في السعودية،
فكثيرًا ما تسبقه عبارة عفوية خرجت من وجدان الناس قبل أن تكتبها الأقلام:
" يالله عز دولتنا.. " ..
إنها ليست مجرد
كلمات تُردد في العرضات، ولا شعارًا لمناسبة وطنية، بل انعكاس لعلاقة خاصة بين
المواطن ووطنه؛ علاقة لم تُبنَ على الشعارات، بل على الثقة والامتنان والانتماء.
قبل أكثر من
أربعين عامًا، وثّق مقطع مصور عرضةً جنوبية لرجال من قبيلة شمران في تبالة الفزع،
وهم يرددون:
يالله عز دولتنا واهزم من يعاديها...
آل سعود سادتنا بأولها وتاليها.
كلما شاهدت ذلك
المقطع، لم أرَ قصيدة شعبية فحسب، بل وثيقة اجتماعية تكشف مدى وصول مشروع الدولة
السعودية إلى وجدان الإنسان. فقد خرجت تلك الكلمات بعفوية، في زمن لم يعرف المنصات
الرقمية ولا الحملات الإعلامية، لكنها عبّرت عن ولاء استقر في النفوس حتى أصبح
جزءًا من الثقافة اليومية.
وهنا تتجلى فرادة
التجربة السعودية؛ فالهوية الوطنية لا تُصنع بقرار، ولا تُفرض بخطاب؛ بل تبدأ من
الأسرة، ويعززها التعليم، وترسخها المساجد والمجالس والقدوة، حتى يصبح الانتماء
سلوكًا تلقائيًا، لا مناسبة موسمية.
ولعل المجالس التي
عرفتها القرى السعودية، ومنها ما تناولته سابقًا في مقال «أمحشاية..
من ذاكرة القرية إلى صناعة الوعي»، كانت إحدى هذه المدارس
الهادئة؛ ففيها لم تُنقل الأخبار وحدها، بل نُقلت القيم، وتكوّن الوعي، وترسخت
معاني الوحدة واحترام القيادة والانتماء إلى الوطن.
ومنذ أن وحّد
الملك عبد العزيز بن عبدالرحمن آل سعود -طيب الله ثراه- هذه البلاد، لم يكن مشروعه
توحيد الأرض فحسب، بل توحيد القلوب أيضًا. ومن هنا جاءت قوة التجربة السعودية؛ إذ
احتضنت القبائل والمناطق وتاريخها، وجعلتها روافد لهوية وطنية جامعة، لا هويات
متنافسة.
ولهذا، كلما اشتدت
التحديات من حولنا، ازداد إدراك السعوديين لقيمة ما يعيشونه من أمن ووحدة
واستقرار. فالولاء الحقيقي لا يظهر في لحظات الرخاء وحدها، بل يتجلى حين يستشعر
الإنسان نعمة وطنه، فيحفظها بالدعاء، ويصونها بالمسؤولية.
ولعل أجمل ما في
عبارة:
«يالله
عز دولتنا...»
أنها لم تعد بيتًا
في عرضة قديمة، بل أصبحت خلاصة مسيرة طويلة من بناء الإنسان السعودي؛ حتى غدا
الوطن في وجدانه نعمةً يُدعى لها قبل أن تُمدح، وهويةً تُعاش قبل أن تُقال.

تعليقات
إرسال تعليق
شكرا لك على قراءتك ، ويشرفني ان أقرأ تعليقك أيا كان وفقك الله سائلا الله لي ولك التوفيق والسداد.اخوك : خالد