القطاع غير الربحي شريك تنموي .. ( تنامي ) نموذجًا في الاستعراض الوطني الطوعي للمملكة 2026
القطاع غير الربحي شريك تنموي ..
( تنامي ) نموذجًا في الاستعراض الوطني الطوعي للمملكة 2026
لم يعد السؤال الأهم عن القطاع غير الربحي في المملكة: كم جمعية أُسست؟ وكم مبادرة نُفذت؟ وكم مستفيدًا وصلت إليه الخدمات؟ بل أصبح السؤال الأعمق: ما القيمة التي يضيفها هذا القطاع إلى التنمية الوطنية؟ وما القدرات التي يبنيها وتبقى في المجتمع بعد انتهاء المبادرات؟
هذا التحول يوسّع نطاق دوره من الاستجابة للحاجة الآنية إلى الإسهام في معالجة أسبابها، ومن تقديم الخدمة إلى بناء المؤسسات والقدرات المحلية القادرة على إنتاج الحلول واستدامتها. ويبرز هذا الاتجاه في الاستعراض الوطني الطوعي الثالث للمملكة العربية السعودية لعام 2026، الذي قدّم التنمية ضمن تسع مهمات وطنية مترابطة، تتكامل في تحقيقها أدوار الحكومة والقطاع الخاص والقطاع غير الربحي والمجتمع.
وتكشف هذه المقاربة عن اتساع موقع القطاع غير الربحي في المشهد التنموي؛ فلم يعد حضوره مقصورًا على المساندة أو تقديم الخدمات المباشرة، بل أصبح شريكًا في تنفيذ الأولويات الوطنية، والوصول إلى الفجوات التنموية، واستدامة الأثر.
واللافت أن حضور القطاع في الاستعراض شمل أدوارًا تتجاوز صورته التقليدية المرتبطة بالخدمات والمساعدات، مثل بناء القدرات، وتنمية رأس المال البشري، وتعزيز الابتكار، وتكوين الشراكات، وتمكين المجتمعات والمنظمات من صناعة أثرها.
وهذا
التحول يغيّر معيار النجاح نفسه؛ فلا يعود الإنجاز مقاسًا بعدد الأنشطة
والمستفيدين وحدهما، بل بما أحدثته التدخلات من تحسّن في الأداء، وما بنته من قدرة
مؤسسية ومجتمعية قابلة للاستمرار.
وتقدم
جمعية تنامي لتطوير العمل التنموي نموذجًا لهذا التحول؛ إذ امتد دعمها إلى أكثر من
120 منظمة غير ربحية، ونفذت أكثر من 200 برنامج تدريبي استفاد منها أكثر من 15 ألف
مستفيد. ولم يتوقف أثرها عند حجم النشاط؛ فقد أسهمت تدخلاتها في تحسين كفاءة
الأداء المؤسسي بنسبة 45%، وكفاءة تنفيذ البرامج والمشروعات بنسبة 40%، فيما بلغت
نسبة رضا المستفيدين 93%. وتكتسب هذه المؤشرات أهميتها من كونها تقيس التغيير الذي
أحدثته البرامج، لا مجرد عدد ما نُفذ منها.
ويبرز
بُعد آخر أكثر اتصالًا بأولويات التنمية الوطنية، هو توطين التنمية في المناطق
الأعلى احتياجًا؛ فقد أسهمت مبادرة «أساس» في تأسيس 38 جمعية غير ربحية في تلك
المناطق، وزيادة معدل تأسيس الجمعيات فيها بنسبة 70%. ولا تعني هذه النتائج إضافة
كيانات جديدة إلى أعداد الجمعيات فحسب، بل بناء مؤسسات محلية أقرب إلى احتياجات
المجتمع، وأقدر على فهم سياقه، وحشد موارده، وصناعة حلول تنطلق من داخله.
وتستدعي
المرحلة القادمة تعميق الشراكة مع القطاع غير الربحي، وتوسيع حضوره في تحديد
الأولويات، وتصميم الحلول، وقياس أثرها، إلى جانب الاستثمار في تخصص منظماته
وحوكمتها وقدراتها المؤسسية والبيانية. كما تتطلب مواءمة برامجه مع المهمات
الوطنية والفجوات التنموية في كل منطقة؛ ليكون أكثر قدرة على الوصول إلى الاحتياج،
وبناء حلول محلية قابلة للاستمرار.
وهنا
تبرز إحدى أهم رسائل الاستعراض: أن تعميق دور القطاع لا يتحقق بزيادة عدد منظماته
وحدها، بل بزيادة قدرتها على إحداث تغيير تنموي يمكن قياسه واستدامته؛ فالشراكة
التنموية لا تُقاس بما يقدمه القطاع للمجتمع فقط، بل بما يبنيه فيه من قدرة تبقى
بعد انتهاء المبادرة.
د. خالد
بن عبدالله الهزاع

تعليقات
إرسال تعليق
شكرا لك على قراءتك ، ويشرفني ان أقرأ تعليقك أيا كان وفقك الله سائلا الله لي ولك التوفيق والسداد.اخوك : خالد